|
الكلمة الذي
ألقاها سمو وزير الخارجية السعودي في الجلسة
الافتتاحية لمؤتمر التحضيري لوزراء الخارجية
الدول الإسلامية :
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله الذي قدر فهدى، والذي شرع لنا
الجادة وأنار لنا السبيل.
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين،
أصحاب السمو والمعالي وزراء الخارجية،
أصحاب المعالي والسعادة رؤساء وأعضاء الوفود،
معالي الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أحييكم أطيب تحية، وأرحب بكم إخواناً كراماً،
تحلون أهلاً، وتطئُون سهلاً، في بلدكم هذا
الذي يزهو بإستقبالكم، ويزدان بوجودكم في رحاب
الديار التي شرفها الله بان تكون قبلة
المسلمين، وجعلها مهوى لأفئدتهم ومنبعاً
لرسالة الإسلام الذي ألف بين قلوبنا فأصبحنا
بنعمته إخواناً.
كما لا يفوتني أن أنوه بجهود معالي البروفسور
أكمل الدين إحسان أوغلى الأمين العام لمنظمة
المؤتمر الإسلامي في سبيل النهوض بالمنظمة في
هذه المرحلة الصعبة من تاريخ الأمة وأن أعبر
عن حكمته وحنكته التي سوف تثري دور ومكانة
المنظمة على الساحة الدولية، وهذا ليس بمستغرب
على رجل هو سليل أمه عريقة كان لها تاريخ
مشهود ومُشرق في خدمة الإسلام والمسلمين عبر
العصور.
أيها الإخوة الأفاضل،
إستشعاراً لما تتعرض له الأمة الإسلامية من
تحديات جسام ومخاطر كبيرة تستهدف مرتكزاتها
الحضارية، وتنال من معتقداتها الدينية
ومقوماتها الثقافية، وتعمل على بث الفرقة
والشقاق فيما بينها، فلقد رأى خادم الحرمين
الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز،
وبالتشاور مع رئاسة القمة الإسلامية، دعوة
إخوانه قادة الدول الإسلامية لعقد مؤتمر قمة
إستثنائي في مهبط الوحي ومهوى أفئدة المسلمين
.. في مكة المكرمة، وذلك لوضع خطة عمل شاملة
لمعالجة المعوقات التي تحول دون تحقيق طموحات
أمتنا، وترسيخ مفاهيم ومبادئ التسامح، وتعميق
ثقافة الحوار بين الأمم والحضارات.
وفي مبادرة تعد نهجاً رائداً وغير مسبوق في
العمل الإسلامي المشترك رأى خادم الحرمين
الشريفين – يحفظه الله – أهمية وضرورة عقد
منتدى لنخبة متميزة من علماء الأمة الإسلامية
ومفكريها للنظر في حال الأمة الإسلامية، ووضع
الرؤى والأفكار للقادة قبل إجتماعهم وإقتراح
أفضل الحلول للتحديات التي تواجهها الأمة في
مختلف الميادين.
وإستناداً إلى الأفكار والتصورات التي توصل
إليها العلماء والمفكرون في مكة المكرمة،
والتي قامت الأمانة العامة مشكورة بجمعها
وتنسيقها وإضافة ماورد عليها من ملاحظات من
الدول الأعضاء في المنظمة، فلقد تم وضع برنامج
العمل العشري الذي يستعرض أبرز التحديات في
جوانبها الفكرية والثقافية والسياسية
والاقتصادية والعلمية والتنموية التي يواجهها
العالم الإسلامي المعاصر، وسبل التعامل معها
بمنهج يتوخى الموضوعية والواقعية، ليكون
بمثابة برنامج عمل قابل للتنفيذ والتطبيق من
كافة الدول الأعضاء في منظمتنا هذه.
أيها الإخوة الكرام،
لا شك أنكم تقدرون أن المسئولية الملقاة على
كاهلنا في هذا الإجتماع ثقيلة وجسيمة، والوقت
المتاح لنا لإنجاز مهمتنا ضيق ومحدود، ومن هذا
المنطلق ولكوني أتطلع إلى تفهمكم وحسن تقديركم
وتعاونكم، ورغبة في تسهيل أسلوب عملنا في هذا
اللقاء، فإنني أود أن أقترح عليكم منهج عمل
يرتكز على الأسس الآتية:-
أولاً: أود أن أذكّركم أن القمة الإسلامية
المنتظرة والتي تشرئِب إليها أعناق المسلمين
في كل مكان، هي قمة إستثنائية بكل ما تحمله
هذه الكلمة من معنى، دعا إليها خادم الحرمين
الشريفين لبحث موضوع محدد يتعلق بالتحديات
التي تواجه الأمة الإسلامية، ووضع برنامج عمل
واضح لمواجهتها. وما عدا ذلك من مواضيع وقضايا
فينبغي تركها للإجتماعات الدورية الإعتيادية
المقبلة بدلاً من أن ننشغل بها عن الطبيعة
الإستثنائية للقمة التاريخية المنتظرة.
ثانياً: نحن مدعوون في إجتماعنا التحضيري هذا
إلى النظر بعين ثاقبة ورؤية متعمقة في الوثائق
التي بين أيدينا، وإعدادها بالشكل الذي يمكن
قادتنا من إتخاذ القرارات الضرورية والكفيلة
بالتصدي للتحديات التي تواجه الأمة في القرن
الحادي والعشرين.
ثالثاً: يأتي في مقدمة هذه الوثائق مشروع
"بلاغ مكة المكرمة" الذي سيطرح على قادتنا،
وذلك بغية إطلاعكم على هذه الوثيقة قبل عرضها
على القمة من قبل خادم الحرمين الشريفين.
ويتناول مشروع بلاغ مكة المكرمة رؤية عامة
للواقع الذي تعيشه أمتنا، وتطلعاتها وآمالها
المشتركة لما يجب أن تكون عليه. أمة تدعو إلى
الخير وتنهى عن الشر، تنشر الفضيلة وتقيم
العدالة والمساواة، ترسخ مبادئ التسامح
والتعارف والإخاء بين الشعوب، وتحارب الظلم
والعدوان والفساد.
رابعأً: ويلي ذلك الوثيقة الخاصة بـ "برنامج
العمل العشري لمواجهة تحديات الأمة الإسلامية
في القرن الحادي والعشرين". وهذه الوثيقة
مبنية أساساً على التوصيات والرؤى والأفكار
التي توصل إليها العلماء والمفكرون،
والملاحظات التي وردت عليها من الدول الأعضاء
في المنظمة، والتي تمت مناقشتها في إجتماع
السفراء التمهيدي لإجتماعنا هذا، وهي تتضمن
الوسائل والسبل التي يمكن بها معالجة ما يعاني
منه الإسلام في هذه الأيام من هجمة شرسة من
المتربصين به سواء من أعدائه في الخارج، أو
حتى من بعض أبنائه من أصحاب الأهداف الضالة
والأفكار المنحرفة، وتحقيق التضامن الإسلامي
والنهوض بالمسلمين وحل مشكلاتهم والتعاون
بينهم في الميادين التي تسهم في تحقيق تواصلهم
ورفعتهم، وتصحيح صورة الإسلام في العالم
والدفاع عن مبادئه بالحوار والحكمة والموعظة
الحسنة، وكذلك إعادة هيكلة مجمع الفقه
الإسلامي ليصبح مرجعية فقهية عليا لشعوب أمتنا
تنير لها الطريق وتزيل عن واقعنا حالة التذبذب
الناجمة عن تعددية المرجعية وإختلاف الفتاوى،
وبالإضافة إلى إحداث التطوير اللازم في هيكلية
منظمة المؤتمر الإسلامي وأسلوب أدائها بالشكل
الذي يمكنها من القيام بدورها المنشود.
ولا شك أنكم جميعاً تشاركونني الرأي في ضرورة
وأهمية أن نبذل قصارى جهدنا لكي نرفع هذه
الوثيقة لقادتنا في شكل متميز يراعي الدقة
والإيجاز، ويعبر عن المصداقية والجدية
والموضوعية، ويركز فحسب على الجوانب ذات
العلاقة المباشرة بالموضوع. ومن أجل هذا الغرض
قامت الأمانة العامة والرئاسة بإعادة صياغة
الوثيقة الموسعة التي أعدها السفراء في
إجتماعهم بشكل موجز وأكثر موضوعية، وفي نظرنا
دون المساس بالمضمون، وقد تم عرض الوثيقة على
المجموعات الإفريقية والآسيوية والعربية وهي
أمامكم الآن للنقاش. مع ملاحظة أن منهجية
العمل تقتضي منا حسب توجيه القمة ألا تُرفع أي
وثيقة إلا بعد أن تكتمل مناقشتها ولم يتبق سوى
إقرارها من القمة.
خامساً: هناك البيان الختامي الذي سيصدر عن
المؤتمر ويتضمن عرضاً دقيقاً لوقائع المؤتمر
وما توصل إليه من نتائج وقرارات بما في ذلك
القضايا السياسية المطروحة. وقد قامت الأمانة
العامة بإعداد مشروع لهذا البيان، ولذلك فإن
الأمر يقتضي تشكيل لجنة لصياغة البيان حتى
يمكن النظر فيه وإقراره قبل إنتهاء إجتماعاتنا
هذا المساء.
أيها الإخوة الأعزاء،
إن المملكة العربية السعودية، إستجابة لما
يمليه عليها واجبها الديني والتاريخي أرادت أن
تكون هذه القمة الإستثنائية نقطة تحول في
تاريخ أمتنا ومنعطفاً مهماً في مسيرتها يصبح
معه مستقبلنا – بإذن الله – خيراً من حاضرنا،
وليحل التضامن الإسلامي الحقيقي محل التضامن
الشكلي، ولتكتسب قراراتنا ومواقفنا درجة من
الجدية والمصداقية التي تتطلع إليها شعوبنا
وتتطلبها التحديات الماثلة أمامنا.
مرة أخرى، أرحب بكم واسأل الله العلي القدير
أن يكلل جهودنا بالتوفيق والسداد لنهيئ
لقادتنا ما يعينهم على تحقيق الأهداف والغايات
المناطة بهذا التجمع الخيّر في هذه البقعة
المباركة.
والله من وراء القصد،
وهو الهادي إلى سواء السبيل،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
عودة...
|