|
كلمة معالي البروفسور أكمل الدين إحسان أوغلى
الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي أمام
الدورة الاستثنائية الثالثة لمؤتمر القمة
الإسلامي :
كلمة معالي البروفسور
أكمل الدين إحسان أوغلى
الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي
أمام الدورة الاستثنائية الثالثة لمؤتمر القمة
الإسلامي
بسم الله الرحمن الرحيم
خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد
العزيز حفظه الله
أصحاب الجلالة والفخامة والسمو
صاحب المعالي السيد عبدالله بدوي
رئيس وزراء ماليزيا، ورئيس الدورة العاشرة
لمؤتمر القمة الإسلامي
أصحاب المعالي الوزراء
حضرات السيدات والسادة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في هذه المدينة المباركة، وفي هذه البقعة
الشريفة، وقد ازدانت بجموع الحجيج الذين
قصدوها من أصقاع الأرض كافة، هنا في مكة
المكرمة، مهبط الوحي، ومهوى أفئدة المسلمين
وقبلتهم، تجتمع هذه القمة الاستثنائية الثالثة
لمنظمة المؤتمر الإسلامي، بدعوة كريمة من خادم
الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد
العزيز الذي أتوجه إليه وإلى حكومته الرشيدة،
بأسمى آيات الشكر والعرفان لما يبذلونه من
اهتمام صادق لنصرة قضايا المسلمين أينما
كانوا، ومن دعم متواصل لمنظمة المؤتمر
الإسلامي.
ويطيب لي كذلك أن أرفع إلى دولة السيد الدكتور
عبد الله بدوي رئيس وزراء ماليزيا، ورئيس
الدورة العاشرة للقمة الإسلامية جزيل الثناء
لما قام به شخصيا وما تقوم به ماليزيا بقيادته
من مبادرات خلاّقة ودعم معنوي في مجال التضامن
الإسلامي، وأخص بالذكر الجهد الذي قام به
لإنجاح مهمة لجنة الشخصيات البارزة التي نادت
بإنشائها القمة الإسلامية العاشرة، والشكر
موصول كذلك لفخامة السيد برڤيز مشرف رئيس
جمهورية باكستان الإسلامية لجهوده القيمة في
هذا المجال.
أصحاب الجلالة والفخامة والسموّ
حضرات السيدات والسادة،
يمر عالمنا الإسلامي اليوم في أخطر العهود في
تاريخه. ويواجه مشاكل وصعوبات كأداء تطال
تأثيراتها حياة مئات الملايين من الناس عبر
العالم، بما لم يعد في وسعنا إهمالها، ولا أن
ننتظر حلاًّ لها من الآخرين.
ولدى العالم الإسلامي – بحمد الله – من
الموارد ما يكفي للتغلب على هذه المصاعب،
فتاريخنا الحافل الغنيّ، ومواردنا تجعلنا نوقن
بأن في استطاعتنا أن نسير بالعالم الإسلامي
إلى مستقبل أكثر إشراقا وازدهارا.
إننا نعيش لحظة تاريخية دقيقة، أصبح فيها مصير
البشرية كلها مرتبطا بمصير العالم الإسلامي،
لأن ما يقع في بلاد الإسلام في عصر العولمة
هذا، يؤثر على بقية أرجاء العالم أكثر من أي
وقت مضى. وهذا الشعور بالترابط وبالمسؤولية
الخلقية هو ما يدفعنا لأن نسعى لاستدراك
الحلول للمسائل الملتهبة التي تواجه عصرنا.
لم نعد نملك ترف لوم الآخرين للمشاكل التي
نصنعها، فقد حان الوقت لمعالجة مشاكلنا
الوطنية والجهوية، بشجاعة وإخلاص وانفتاح.
وهذا ما تتوقّعه منا جماهير المسلمين.
علينا أن نخلق ثقافة تضامن بين الشعوب
الإسلامية، عن طريق حشد مواردنا وطاقاتنا
السياسية والاقتصادية والثقافية. وعلينا أن
نقنع إخواننا وأخواتنا عبر العالم، بأن لنا
مصيراً مشتركا، وأنّه بوسعنا أن نواجه تحديات
العالم المعاصر حين نقف متضامنين.
لقد بات من الضروري أن نناهض المدّ المتنامي
لظاهرة الخشية من الإسلام في البلاد الغربية،
فهذه ظاهرة عالمية لا تطال المسلمين وحدهم.
ومحاربة الخشية من الإسلام حرب على الجهل
والكراهية، والتعصب، ونقص الفهم.
لقد طرحنا هذا الموضوع على عدد من المنظمات
الدولية في الغرب. وذكّرنا قادته بأن تخفيف
التوتّر الديني هو أقصر الطرق للأمن الدولي.
وطالبنا بأن تسن قوانين في بلادهم تحرم
ممارسات الخشية من الإسلام وتحمي المسلمين.
ورفعنا الأمر إلى الأمم المتحدة وصدرت عن لجنة
حقوق الإنسان في جنيف توصية تدين حملات
الكراهية والتعصب والتشهير الموجهة ضد
المسلمين. كما أقمنا مرصداً لجمع الحملات
المعادية للإسلام وتوثيقها والتعامل معها.
وينبغي علينا أن نولي اهتمامنا لقضايا التوتّر
الطائفي والعرقي، وأن نحارب الإرهاب بأن نعالج
جذوره ومسبباته، سواء اقترفه فرد أو جماعات أو
دول، فالإرهاب جريمة على كل مسلم أن يناصبها
العداء.
أصحاب الجلالة والفخامة والسموّ
حضرات السيدات والسادة،
أضحت الجماهير الإسلامية تتوق إلى صرخة ضمير
تعبّر عن آمالها وطموحاتها. وعندما يبحث
أفرادها من حولهم ولا يجدون من يغيثهم سرعان
ما يصبحون عرضة للتأثر بأفكار العناصر
المتطرفة، وبمراميها غير الشرعية. ومن هنا بات
لزاما علينا أن نلبيّ الحاجات الملحة للشعوب
الإسلامية كيما نصبح أمة متوازنة وسطية
معتدلة.
إن عدم الالتزام بالوسطية هو أحد العوامل
الرئيسية للاضطراب والفوضى في العالم الحديث.
أما أسبابه في العالم الإسلامي فمردّها إلى
مجموعة معقّدة من الظروف كالفقر والأمية
والأوبئة والفساد وعدم تساوي الفرص أو توزيع
الثروة. وهذا ما يدفع الناس إلى البحث عن
أجوبة لمشاكلهم في أماكن أخرى. وعندما لا
تعالج هذه القضايا بالوسائل الشرعية، فإنها
تستعمل كذريعة للانخراط في الممارسات
المتطرفة. وما يغذي هذه الممارسات في العالم
الإسلامي هي التطورات السياسية التي تنأى
بالناس بعيدا عن مباديء الوسطية.
وقد رفعت إلى أنظاركم توصيات لجنة الشخصيات
الإسلامية البارزة التي طالبتم بإنشائها في
قمتكم العاشرة في بوتراجايا سنة 2003. وقد
ساهمت هذه الشخصيات في أعمال ندوة مكة للعلماء
والمفكرين التي دعا إليها خادم الحرمين
الشريفين، ونقلت إلى الندوة خلاصة أفكارها
ومداولاتها.
ولاشك في أن برنامج العمل العشري الذي انبثق
عن نتائج ندوة مكة المكرمة لعلماء ومفكري
الأمة، وما وقع عليه من تصويبات وإثراء من قبل
اجتماعي كبار الموظفين، واجتماع وزراء
الخارجية الذي تم بالأمس، يشكل خطة عمل واضحة
المعالم تؤسس للعمل الإسلامي المشترك وتحدد
أولويات ووسائل تطبيقه خلال العقد القادم من
السنين في كل المجالات المشتركة، ويرسم منهاجا
غير مسبوق لتطوير العالم الإسلامي وتعزيز
مكانته في العالم. كما أن تقرير الأمين العام
الذي رفع إلى مجلسكم الموقر يتضمن تلخيصا
وافياً لأفكار وتوصيات العلماء والمفكرين
المذكورين، ويبرز معالم الرؤية الجديدة التي
نتوخاها للأمة الإسلامية وهي تعمل تحت مبدأ
التضامن في العمل. وبذلك تكون قد تكاملت
التحضيرات والوثائق التي ستبدون آراءكم فيها،
وتتدارسونها توطئة لاتخاذ قرار بشأنها.
أصحاب الجلالة والفخامة والسموّ
حضرات السيدات والسادة،
علينا أن نعمل جاهدين وبفعالية ليصبح العالم
الإسلامي بشكل عام، والشرق الأوسط على الخصوص
أرض أمن وسلام وازدهار. نحن نحيى في منطقة
جغرافية تنزّلت فيها الديانات الإبراهيمية
الثلاث، حيث نمت وترعرعت، داعية لسلام البشرية
كلها. وعلينا الآن أن نستعيد مهمتنا لإحلال
العدالة في أرجاء العالم.
لقد ذكرنا أن خيار السلام هو الخيار
الاستراتيجي لحل مشاكل الشرق الأوسط. وبناء
على هذا المنظور، فإننا ندعو المجموعة الدولية
أن تفرض على إسرائيل الالتزام التام بتطبيق
خارطة الطريق. ونصر على أن تتخلى إسرائيل عن
سياستها في مدينة القدس التي نعتبر قضيتها
القضية المركزية الأولى للعالم الإسلامي كله.
وقد استبشرنا خيرا بانعقاد مؤتمر الوفاق
الوطني العراقي في القاهرة مؤخرا، حيث اجتمعت
فيه كل أطياف الشعب العراقي. وبتنا نتطلع إلى
أن تتم الانتخابات النيابية في العراق بعد
أسبوع في ظروف مرضية. كما نأمل من وراء ذلك
استكمال المسلسل السياسي الذي نرجو أن يقود
البلاد إلى الاستقرار واستتباب الأمن،
واسترجاع السيادة الكاملة، وانسحاب القوات
الأجنبية.
وما زلنا نرجو أن يؤدي انفراج العلاقات بين
باكستان والهند إلى حل قضية كشمير بما يحقق
مطامح الشعب الكشميري، وأن توفق جهود الاتحاد
الإفريقي التي تبذل حاليا في أبوجا لحل مشكلة
دار فور في السودان دون تدخل الأطراف
الأجنبية. كما نتطلع لإنهاء الصراع الأخوي في
الصومال بانتصار المصالحة الوطنية، وتسوية
مشكل الأراضي الآذربيجانية المحتلة في إقليم
ناغورنو كاراباخ بما يعيدها إلى الوطن الأم
تطبيقاً لقرارات مجلس الأمن، وحل مشكل الشيشان
حلاّ سياسيا ينهي المعاناة الإنسانية لشعب
الشيشان، وتسوية قضية قبرص بما يضمن للطائفتين
المتعايشتين فيها حقوقا متكافئة. وتطبيق
التسوية السياسية في جنوب الفلبين تطبيقاً لا
يخلّ بالتعهدات التي تم الاتفاق عليها، وحل
مشكلة التوتّر في جنوب التايلاند وفي ميانمار
بما يحفظ للأقليات والمجتمعات الإسلامية هناك
حقوقها.
أصحاب الجلالة والفخامة والسموّ
حضرات السيدات والسادة،
وقد بدأت منذ أن شرفتموني بإدارة شؤون
المنظمة، بعهد جديد يقوم على جعل تفاعل
المنظمة مع الأحداث السياسية والدولية أمراً
أساسيا من الأنشطة اليومية. وهذا ما أتاح
لشؤون العالم الإسلامي حضورا أوسع كشريك فاعل
في المجموعة الدولية. كما باشرت بإجراء
إصلاحات إدارية داخلية لتطوير ثقافة العمل
وأداء الموارد البشرية فيها، وعملت على عقلنة
وترشيد البيروقراطية. ووضعت كذلك معايير
للمسؤولية والشفافية، وحسنت الوضعية المالية.
وناديت بترشيد القرارات لتصبح قابلة للتطبيق
ضمن امكانات التعامل الجدّي معها، لإزالة
الفجوة بين القرار وتنفيذه.
فالمنظمة هي أهم مؤسسة مؤهلة لتسمع صوت العالم
الإسلامي. وبإمكانها أن تعبّر عن آمال ومطامح
الجماهير المسلمة عبر العالم. وإذا تم إنعاشها
أو تزويدها بالموارد الضرورية لتحقيق مهمتها،
فإنها ستفي بالوعد المنشود بأن تعمل لمصلحة
المسلمين في أرجاء العالم.
إن باستطاعة المنظمة أن تحقق للدول الأعضاء
تضامنا عبر العمل، عن طريق البرامج
والمبادرات. وسيعزز مثل هذا التضامن القوى
المحركة في المنطقة، بما سيحمل في ثناياه
الازدهار للبلدان الإسلامية. وسيعطي هذا
الواقع بعداً آخر جديا لعلاقة البلدان
الإسلامية مع العالم.
ولمؤتمركم السامي هذا أن يوصي بما ترونه
مناسباً من الدعم لنا في جهودنا هذه وتوفير
الظروف التي ترفد هذا الجهد وتعززه في خدمة
أهداف الأمة وبرامجها.
وأود أن أكرّر هنا شكرنا وامتناننا لخادم
الحرمين الشريفين على الدعم والمساندة
المستمرة للمنظمة لمساعدتها على القيام
بمهامها خير قيام، وأعرب عن أملي الصادق بأن
تعرف المنظمة في عهده الزاهر كل دعم وتشجيع،
وأنوّه بعزمه، حفظه الله، على أن يجعل للمنظمة
مقرّاً جديدا جديرا بها.
وفي الختام، فإن الظرف الذي نجتازه دقيق
ومصيري. والمرور منه بسلام إلى ما نطمح إليه
رهين بتماسك إرادتنا السياسية وبعزمنا على
التضحية والعمل الجماعي لنستعيد الحقوق
والمكانة اللائقة بأمتنا. فالنظام العام
الدولي – على ما هو عليه – لم ينشأ ليقدم لنا
العدالة والانصاف على طبق من فضة، فهذا أمر
رهين فقط بعزمنا وعملنا. وعلينا نحن أن نعمل
حتى نستحقه ونحصل عليه نتيجة جهدنا ومواظبتنا،
لأنه لا ينجم عن الضعف والتهاون سوى تشجيع
أطماع الآخرين في استلاب الحقوق. ولكننا نثق
تمام الثقة بأن اجتماعكم المبارك، في هذا
البلد الأمين، سيكون نقطة تحول تاريخية في
مسيرة أمتنا العظيمة نحو الانبعاث والعزة
والمنعة حتى تصبح كما أرادها الخالق عز شأنه
خير أمة أخرجت للناس.
وفقكم الله وسدد خطاكم.
{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى
الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عودة...
|